البغدادي
307
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
فهرب ابن مفرّغ من الشام إلى البصرة فأجاره المنذر بن الجارود ، وكانت بنت المنذر تحت عبيد اللّه ، وكان المنذر من أكرم النّاس عليه ، فاغترّ بذلك ، فبلغ عبيد اللّه أن المنذر قد أجاره فبعث عبيد اللّه إلى المنذر ، فلما دخل عليه بعث عبيد اللّه بالشّرط فكبسوا داره وأتوه بابن مفرّغ ، فلما رآه الجارود قام إلى عبيد اللّه فقال له : أذكّرك اللّه أيها الأمير لا تخفر جواري فإني قد أجرته ! فقال عبيد اللّه : يمدحك ويمدح آباءك ، وقد هجاني وهجا أبي ثم تجيره عليّ ، واللّه لا يكون ذلك أبدا ! فغضب المنذر وخرج . وأقبل عبيد اللّه على ابن مفرّغ فقال : بئسما صحبت به عبّادا ! فقال : بئسما صحبني عباد ، اخترته على سعيد وأنفقت على صحبته جميع ما ملكته وظننت أنّه لا يخلو من عقل زياد ، وحلم معاوية ، وسماحة قريش ، فعدل عن ظنّي كلّه ثم عاملني بكلّ قبيح . من حبس وغرم وضرب وشتم ، فكنت كمن شام برقا خلّبا في سحاب جهام ، فأراق ماء طمعا فمات عطشا ، وما هربت من أخيك إلّا لما خفت أن يجري فيّ ما يندم عليه ، وها أنا بين يديك فاصنع فيّ ما شئت ! فأمر بحبسه وكتب إلى معاوية « 1 » أن يأذن له في قتله ، فكتب إليه : « إيّاك وقتله ، ولكن تناوله بما ينكله ويشدّ سلطانك عليه ؛ ولا تبلغ نفسه ، فإنّ له عشيرة هم جندي وبطانتي ، ولا يرضون بقتله إلّا بالقود منك ، فاحذر ذلك ، واعلم أنّ الجد « 2 » منّي ومنهم ، وأنّك مرتهن بنفسه ، ولك في دون تلفها مندوحة تشفي من الغيظ . فلمّا ورد الكتاب أمر بابن مفرّغ فسقي نبيذا حلوا مخلوطا بالشّبرم والتربد « 3 » فأسهل بطنه ، وطيف به على بعير في أزقّة البصرة وأسواقها ، وقرن بهرّة وخنزير ، وجعل يسلح والصبيان يتبعونه ويصيحون عليه ، وألحّ ما يخرج منه حتّى أضعفه فسقط ، فقيل لعبيد اللّه : إنّا لا نأمن أن يموت . فأمر به فغسل فلمّا غسل قال « 4 » : ( الخفيف )
--> ( 1 ) في الأغاني : " إلى يزيد بن معاوية " . ( 2 ) في الأغاني 18 / 264 : " أنه الجد " . ( 3 ) هذه الكلمة ليست في الأغاني . والتربد ، كقنفذ : نبت . ( 4 ) البيت ليزيد بن مفرغ في ديوانه ص 188 ؛ والأغاني 18 / 264 ؛ والشعر والشعراء ص 278 . ويقول جامع ديوانه ص 189 : " وهذا البيت مشهور سائر ، ومعناه : إن العذاب الذي أوقعته بي سرعان ما يزول وينسى ، ولكن هجائي لك سيلاحقك حتى القبر وسينفذ كالإبر في عظامك النخرة " .